كيف نتعامل مع التفكير المفرط ؟

سواء كان الشخص يلوم نفسه على خطأ ارتكبه بالأمس أو كان قلقًا بخصوص نجاحه في الغد؛ فإن الشخص المفرط في التفكير يعاني من أفكار مقلقة وعدم قدرته على اخراج هذه الأفكار من رأسه تجعله في حالة هم مستمر.

وعلى الرغم من أن الجميع يفكر بطريقة مفرطة من حين لآخر، إلا أن البعض لا يمكنه أبدًا إسكات وابل الأفكار المستمر، فأحاديثهم الداخلية مع أنفسهم تتضمن نمطين من الأفكار المدمرة: الاجترار والقلق.

فالاجترار يتضمن استرجاع الماضي:


  • ما كان ينبغي عليّ الحديث في اجتماع اليوم؛ الكل نظر إليّ كما لو كنت أحمقًا!

  • كان بإمكاني التمسك بوظيفتي القديمة! ... كنت سأكون أسعد لو بقيت هناك.

  • والديّ دائمًا يقولانِ لي بأني عاجز عن فعل أي شيء، وأعتقد أنهم على حق.



والقلق يتضمن تنبؤات سلبية وفي كثير من الأحيان تكون كارثية بخصوص المستقبل:

  • سأحرج نفسي غدًا عندما أقدم العرض التقديمي: سترتجف يداي، ويحمّر وجهي، وسيرى الجميع عدم كفاءتي.

  • لن تتم ترقيتي أبدًا؛ ولا يهم ما أقوم به، فهذا أمر لن يحدث!

  • زوجتي ستجد شخصًا أفضل مني، وسينتهي بي الحال مطلقًا ووحيدًا

إن الأشخاص الذين يعانون من التفكير المفرط لا يستخدمون الكلمات فقط في حياتهم!

ففي بعض الأحيان يستحضرون صورًا أيضا؛ فيتصورون مثلًا أن مركبتهم تنحرف عن الطريق، أو تجدهم يسترجعون حادثة مؤلمة في أذهانهم مثل الفيلم. وفي كلتا الحالتين: فإن ميلهم للتفكير المفرط في كل شي يعيقهم من فعل أي أمر مثمر!

مخاطر التفكير المفرط:

التفكير المفرط ليس مزعجًا فقط، بل يمكن أن يؤدي إلى تأثير خطير على راحتك ورفاهيتك. فقد توصلت بعض الأبحاث إلى أن الخوض في نقاط الضعف والأخطاء والمشاكل يزيد من خطر الإصابة بمشاكل تتعلق بالصحة النفسية؛ وتراجع الصحة النفسية يزيد من اجترار الماضي، وهذا من شأنه أن يقود إلى حلقة مفرغة يصعب كسرها.

وتشير الدراسات أيضًا إلى أن التفكير المفرط يؤدي إلى أزمة عاطفية جدية، حيث يلجأ الكثير من هؤلاء الذين يعانون من التفكير المفرط إلى استراتيجيات مواجهة غير صحية مثل: الكحول أو الأكل العاطفي؛ هربًا من هذه الضائقة.

فإذا كنت شخصًا يعاني من التفكير المفرط فمن المحتمل أنك تعلم مسبقًا أنه لا يمكنك النوم عندما يستمر عقلك بالتفكير؛ وهذا ما أكدته الدراسات حيث وجدت بأن الاجترار والقلق يؤديان إلى نوم ساعات أقل وتدني جودة النوم.

 

كيف نُوقِف التفكير المفرط؟

إن وضع حدًا للاجترار، التخمين الثاني، التنبؤات الكارثية أمر يسهل قوله عن فعله، ولكن مع الممارسة المستمرة، فإنه يمكنك تقييد أنماط التفكير السلبي لديك:


  • أولًا: لاحظ متى تفكر بشكل مفرط

الوعي هو أول خطوة لوضع حدًا للتفكير المفرط. إبدا بالانتباه لطريقة تفكيرك، فعندما تلاحظ نفسك أنك بدأت في استرجاع الأحداث في ذهنك مرارًا وتكرارًا، أو بدأت بالقلق على أمور لا تستطيع التحكم فيها؛ فاعترف وأقر بأن هذا النوع من التفكير لن يكون مثمراً.


  • ثانيًا: تحدى أفكارك

من السهل الانجراف مع الأفكار السلبية؛ لذا قبل أن تنغمس في التوقعات السلبية مثل أن الاعتذار عن الحضور للعمل بسبب المرض سوف يتسبب بفصلك أو أن نسيان أحد المواعيد النهائية سوف يجعلك بلا مأوى: اعترف بأن أفكارك هذه قد تكون سلبية للغاية.

تعلم كيف يمكنك إدراك ما لديك من أخطاء التفكير، وكيف يمكن استبدالها قبل أن تجرك إلى ارهاق ذهني ونفسي لا يحتمل.


  • ثالثًا: حافظ على التركيز في نطاق حل المشكلات الفعّال

إن التعمق في مشاكلك ليس مفيدًا بقدر البحث عن حلول لها.

اسأل نفسك عن الخطوات التي يمكنك أخذها للتعلم من خطأ ما أو لتجنب مشكلة مستقبليه، يعني بدلًا من أن تسأل نفسك عن سبب حدوث شيء ما، اسأل نفسك عما يمكنك فعله حيال ذلك.


  • رابعًا: مارس اليقظة الذهنية (Mindfulness)

من المستحيل أن تجتر الأمس أو تقلق بشأن الغد عندما تعيش الحاضر؛ لذا قرر الالتزام بأن تصبح أكثر وعيًا بـ الآن وهنا. إن اليقظة الذهنية تحتاج للممارسة كغيرها من المهارات ولكن مع مرور الوقت يمكنها أن تقلل من العادات الذهنية السلبية كالتفكير المفرط.


  • خامسًا: وجّه انتباهك

إنّ إرغام نفسك وإجبارها على التوقف عن التفكير بشي ما، يمكنه أن يعود عليك بنتائج عكسية؛ فكلما حاولت تجنب فكرة معينة من دخول عقلك، كلما زاد احتمال استمرار ظهورها أمامك! لذا فإن إشغال نفسك بنشاط ما، هو أفضل طريقة لتغيير العادات الذهنية السلبية: مارس الرياضة، حاور أحدهم حول موضوع مختلف عما يجول في ذهنك، انخرط في عمل مشروع أو مهمة من شأنها أن تصرف عن عقلك وابل الأفكار السلبية.


  • سادسًا: حدد وقتًا للتفكير

محاولة تجنب المشاكل وكبت التفكير حولها في كل مرة ليس بالأمر المفيد ولا يعتبر حلاَ، ولكن التفكير فيها لوقت قصير قد يكون مفيدًا ومساعدًا. إن التفكير في الأمور بطريقة مختلفة عمّا تعودت عليه، والتعرف على العوائق المحتملة لخطة ما؛ يساعد في التكيف مع الصعوبات وتجاوزها بشكل أفضل في المستقبل.

أضف 20 دقيقة في جدولك اليومي لـ "وقت التفكير": وخلال هذا الوقت اسمح لنفسك بالقلق والاجترار والتفكير فيما تريد، وبعد انتهاء الوقت المحدد للتفكير يمكنك أن تنتقل لأمر آخر أكثر إنتاجية، وكلما لاحظت أنك تعود للتفكير المفرط "خارج نطاق الوقت المحدد"، ذكّر نفسك بأنك ستفكر في الأمر لاحقًا.


مراجعة فريق امعان

ترجمة ندى المهدي


أخصائي نفسي اكلينيكي مساعد