الإيجابية

الوصمة الجديدة


ريم عبدالرزاق

أخصائية نفسية 

آمل أن لا نكره الأمل والتفاؤل و السعادة ونتشبث باليأس و الحزن والتشاؤم بحجة عدم الواقعية و بسبب مبالغات سطحية لا أساس لها من الصحة.

كثر الحديث مؤخراً عن موضوع الإيجابية ومفاهيمها كالأمل والتفاؤل والسعادة و البهجة و المرونة وغيرها.. حتى بدأ الأفق يضيق بالبعض ويشعر بمشاعر وانفعالات سلبية تجاه بعض المبالغات في تمجيدها وخاصة ممن يواجه معاركه مع تحديات الحياة.  

بداية ينبغي الإشارة إلى أن هذه المفاهيم هي من اهتمامات علم النفس الإيجابي الذي يعتبر فرع أصيل من فروع علم النفس أسسه عالم النفس مارتن سيليجمان عام ١٩٩٨م. تناول علم النفس الإيجابي هذه المفاهيم وغيرها كالفضائل الإنسانية بالدراسة العلمية واستخرج على أساسها الكثير من الاستنتاجات العلمية الرائعة والمتوازنة، قد يكون من أهمها عدم إنكار الانفعالات و المشاعر السلبية للفرد. 


 لم يأت علم النفس الإيجابي ليحل بديلاً عن الفروع الأصيلة الأخرى لعلم النفس كعلم النفس العيادي مثلاً وينبغي الإشارة إلى أن هناك ما يسمى بـ "علوم" زائفة اقتطعت من علم النفس الإيجابي بعض ثمار استنتاجاته وتناست جذورها العلمية وللأسف قدمتها للمجتمع بصورة سطحية بعيدة كل البعد عن العمق العلمي الذي يفسرها.

هناك من يشعر بالسعادة في حياته ولكنه يرغب بزيادتها وبتعزيز نقاط القوة لديه كالحكمة والشجاعة وغيرها على سبيل المثال وهنا يرحب علم النفس الإيجابي به و يقدم له الخدمة المطلوبة.

بينما هناك من يمر بمشكلات أو اضطرابات نفسية و يقوم بشجاعة بالبحث عن العلاج و هنا يفتح علم النفس العيادي(الإكلينيكي) له أبوابه بأصالته العلمية ليقدم الخدمة لهذا الشخص .

الخلط بين هذه الأمور الدقيقة التي قد لا يتنبه لها الكثير أدى لنشوء وصمة جديدة لمفهوم الإيجابية، حيث تصورها البعض كوجه مبتسم يوحي بسعادة مصطنعة في عالم وردي خيالي لا وجود فيه لمشاعر سلبية كالحزن والغضب والخوف وغيرها، وهذا بالطبع مفهوم سطحي لا يمت للحقيقة بصلة

كمتخصصة في علم النفس أتمنى أن لا يأت اليوم الذي ترتبط فيه هذه "المفردة " بمفهومها العلمي الدقيق بمشاعر سلبية مصدرها علوم زائفة،آمل أن لا نكره الأمل والتفاؤل و السعادة ونتشبث باليأس و الحزن والتشاؤم بحجة عدم الواقعية و بسبب مبالغات سطحية لا أساس لها من الصحة، كأفراد جميعنا قد يمر بمشاعر سلبية أو بمشكلة نفسية عابرة أو يعاني من اضطراب نفسي حقيقي وهنا الممارسات العلاجية المستندة على مفاهيم علم النفس الإكلينيكي تقوم بمسؤولياتها كمختصين في علم النفس دورنا التوعية بفروعه الأصيلة وممارساته العلاجية بكل صدق وموضوعية وليس تعزيز وصمة جديدة في علم النفس قد يكون ضحيتها أجمل معاني الحياة.