خامة التشخيصات الواسعة

و توزيعاتها العادلة على الأفراد

(الثقافة / الذات والقلق الاجتماعي)

د.غادة عبدالله الخضير

كان التساؤل حول التجربة الفردية أو الذاتية للإنسان في الحياة بشكل عام، وتجربته الذاتية في " المعاناة " بشكل خاص مجالاً للتفكير والتأمل، إذ لم اجده عادلاً إنسانياً، وصواباً علمياً، أن نضع "الآخر" في قوالب جاهزة، أو إن جاز التعبير نضعه في غرف مغلقة مؤثثة جيداً وبعناية، ومن ثم نضع لافتات معتمدة ومقننة وموحدة لمسمى تلك التجربة ولماهيتها. وبالرغم من وجود مشترك إنساني بين الأفراد والمجتمعات لا يمكن تجاهله أو حتى التحايل على وجوده ؛ إلا أن المساواة في جوهرها لا تعني التسوية وأسنان المشط هي في العدل لا في الفروق الفردية؛ ومن ضمن الأخيرة النظر للمعاناة الفردية. وقد يكون الفردي على مستوى الثقافة الواحدة؛ إذ الاستيراد من الثقافات الأخرى بدون تمحيص هو تجاهل تجربة ومعاناة وخصوصية المجتمع الواحد، وفهم خاطئ للمشترك الإنساني. بمعنى آخر وموجز؛ لا يمكن فهم الفرد من خلال منظور مستورد من ثقافات أخرى؛ ولكن يجب فهمه من خلال ثقافته ومعاناته في داخل سياقة الثقافي المشترك والمتمايز في آن واحد عن العالمية الإنسانية. فمعاناة الفرد وذاته تكون من خلال تعاطيه مع ثقافته التي تشكل في جزء كبير ذاته من خلال المعايير والقيم وتصور الذات والآخر والعالم.

ربما يكون هذا مدخلاً متواضعاَ جداً لمحاولة إعادة التفكير في كيفية التعاطي مع " التجربة الفردية / الانسانية"؛ وبالتالي كيفية استخدام نواتج إعادة التفكير هذه مع طبيعة عملنا التي نواة الحراك فيها هي " الإنسان"؛ الإنسان بكل ما يحمله من إرث أو تراكم على المستويين الفردي والثقافي.

الثقافة عامل مهم في معادلة السلوك الإنساني؛ وبالتالي فهمه وتفسيره والتنبؤ به. فلقد اكدت العديد من الدراسات عبر الثقافية على فكرة أن العوامل الثقافية تؤثر على ذات الفرد؛ وبالتالي على الجوانب النفسية التي تشكل هذه الذات. وهذا قد يعني أن الفرد -وإلى حد ملاحظ-يشكل العديد من خبراته ومعارفه وسلوكياته وطريقة تنظيمه للمعلومات التي لديه (بما في ذلك الصورة الذهنية للأحداث والمواقف الحياتية التي يمر بها) بناء على الثقافة التي ينتمي اليها، بهذا هو يتصرف بناء على محتوى هذه المخطوطة الذهنية (الثقافية) التي تشكلت لديه وصارت مرجعاً رئيساً (للحكم والتعامل مع الذات والآخر والعالم الخارجي).

هذه الرؤية التي تطرح الثقافة كمحك رئيس لفهم السلوك الانساني وبالتالي -بناء على مجال العمل النفسي -محك رئيس أيضاً للتشخيص والعلاج؛ تقلل من رواج فكرة الخامة الواسعة للتشخيص التي يمكن توزيعها بالتساوي على الأفراد أينما كانوا وبغض النظر عن خلفياتهم الثقافية التي ساهمت في تشكيل وربما دون مبالغة "برمجت" ذواتهم وفقاُ لسطوتها ومساحات الحرية الضئيلة التي سمحت بها لأفرادها.

ولاشك أن ما ينطبق على التشخيصات السائدة للاضطرابات النفسية ينطبق على القلق الاجتماعي الذي صار من المهم  لجودة التعامل مع الأعراض المكونة له رؤيته أيضاً من خلال هذه العدسة الثقافية. وهذا من خلال طرح تساؤل من قبيل: من هو الشخص الذي يعاني من أعراض القلق الاجتماعي؟ كيف نفهمه ونفهم الأعراض الظاهرة عليه في ظل ثقافته؟ وبالتالي كيف نتعامل معه من منطلق فهمنا العميق قدر المستطاع لتلك الثقافة (الثقافة المشتركة بين العميل والمعالج)؟

أغلب النماذج والدراسات المعرفية والسلوكية التي تتناول علاج أعراض القلق الاجتماعي تضع "ذات الفرد" موضع اهتمام وتركيز من حيث كيف يتعامل الفرد مع المواقف الاجتماعية؟ وكيف يدرك ذاته والآخرين من خلالها؟ وماهي الانطباعات التي يخرج بها من هذه المواقف التي قد يٌقيم بها بطريقة سلبية من قبل الآخرين؟ ومادور الآخر في تنظيم الذات وما يتعلق بها من أفكار وانفعالات؟

كيف يمكننا أن نفهم القلق الاجتماعي؟

في هذا الشأن يقدم Moscovitsh (2009) وجهة نظر ثرية وعميقة حول فهم القلق الاجتماعي. وهذا من خلال توضيحه أن الأسباب الرئيسة لاستمرار أعراض الاضطراب ليست قائمة على الخوف المباشر من التقييم السلبي أو الخوف من التعرض للأحراج أو الإهانة في الموقف الاجتماعي (كما أشارت معظم نماذج العلاج المعرفي) وإنما هناك ما هو أبعد من ذلك. إن هذه الأعراض تتمثل في خوف الفرد على ذاته من أن تنكشف أمام الآخرين، وأن يظهر ضعف مهاراته الاجتماعية مع فشله في إخفاء علامات قلقه، أو عدم جودة مظهره الخارجي، أو خلل في شخصيته أكثر من خوفه من الموقف الاجتماعي بحد ذاته (رغم أنه من وجهة نظرنا أن ما سبق لا يقلل من أهمية الموقف الاجتماعي كمثير أو محفز لمواجهة لتلك العلاقة المتوترة بين الفرد وذاته داخل الموقف، إذ يبقى الموقف هو مسرح برهان حضوره الاجتماعي).

هذه الرؤية حول أهمية الذات في المركز الأول جاءت في التساؤل الذي طرحته Stopa (2009) حول: لماذا يعتبر مفهوم الفرد حول ذاته أمراً مهما عند تشخيص وعلاج أعراض القلق الاجتماعي؟  وقد طرحت كمحاولة لإيجاد إجابة لهذا السؤال نموذجاً يسهم في فهم الذات فيما يتعلق بالقلق الاجتماعي وذلك من خلال:

  1. ما هو المحتوى المعرفي لهذه الذات , ماهي المعلومات والخبرات التي يحملها الفرد عن ذاته، وكيف يستخدمها في تقديم نفسه في الموقف الاجتماعي؟

  2. كيف ينظم الفرد ذلك المحتوى المعرفي المرتبط بمفهوم الذات بحيث يكون واضح ومنظم ويمكن الاستفادة منه في الموقف الاجتماعي؟

  3. كيف ينتبه الفرد للمعلومات التي تخصه و"الاستراتيجيات" التي يستخدمها كي يقوم بتقييم ذاته داخل الموقف الاجتماعي؟


إذن أهمية فهم طبيعة الذات عند التعامل مع الأفراد الذين تظهر عليهم أعراض القلق الاجتماعي أمر حيوي قد يساهم في توفير فهم أفضل لشخصية الفرد، وتسمح بإستهلال جيد ومبنى على الفهم للعلاقة العلاجية. كذلك قائم على الهدف الأساس لهذه العلاقة ألا وهو "فهم الفرد في إطاره المعرفي الخاص وتجربته الإنسانية الفريدة" .

قد يبدو الأمر صعباً -وهو حقيقةً لا يخلو من أن يكون كذلك- نظراً لتعقد "الذات الإنسانية"؛ وتعدد طرق الوصول إلى معرفتها. لكن هذا لا يعني أنه لا يوجد ما قد يضيء هذه الرؤية لإتاحة فهم أفضل بحيث يمكننا أن نفسر لماذا يختلف شخص عن آخر في طريقة تفكيره ومشاعره وسلوكياته اختلافاً قد يؤثر على طريقة تعامله مع ذاته. وبالتالي تعامل الآخر معه بحيث لا ندخل في "فخ التعميم". هذا الفخ الذي لا شك أنه لن يكون في صالح الفرد لاسيما عند اختيار الأساليب العلاجية التي قد تُستخدم.

 

محاولة للتجاوز


حول محاولة تجاوز صعوبة هذا الأمر؛ وضح Triandis (2004) أن وجود مفهومي "الفردية": (اهتمام الفرد بنفسه حيث "أنا" تتقدم على "نحن" مع ميل الفرد إلى الاستقلالية)؛ و"الجمعية": (اهتمام الفرد بعلاقاته مع الآخر حيث تتقدم "نحن" على "أنا" مع ميل الفرد إلى الاعتمادية) كعوامل ثقافية تشكل طبيعة تكوين الفرد قد يساهم في فهم الاختلافات بين الأفراد (Triandis, 2004) . كما اشار  Markus and Kitayama (1991) إلى ثلاث عوامل ثقافية تميز هذه الثقافات الجمعية (ثقافة الأسرة والقبيلة كالمجتمع السعودي) عن الثقافات الفردية (كالمجتمع الغربي) :


  1. الفرد في الثقافة الجمعية قد يكون أكثر انتباهاً وحساسية تجاه الآخرين.

  2. الفرد في الثقافات الجمعية قد لا ينفصل عن السياق الاجتماعي العام ويعتمد عليه بشكل واضح.

  3. التفاعل الاجتماعي في الثقافات الجمعية  من الممكن أن يكون ممتد إلى المواقف غير الاجتماعية وقد يتدخل في حياة الفرد الشخصية والمهنية وغير ذلك من مجالات الحياة العامة.

  4. ويمكننا هنا إضافة عامل أخر أشار إليه الرويتع (2014) وهو عامل جدير بالملاحظة والبحث عند الحديث عن تقدير الذات لدى الفرد والذي توفر له "المجاراة الاجتماعية" شعور بالرضا النفسي، أو التناغم بعيداً عن امكانية التعرض للعقاب الاجتماعي.


إذن هذه العوامل الثقافية قد توضح لماذا علينا كمختصين أن نمتلك قدر من الدقة والحكمة حين التشخيص والمبادرة لاستخدام الطرق أو العلاجات الذي تم "إنتاجها" في ثقافة مختلفة عن ثقافة الفرد. هنا سنقدم محاولة لقراءة طبيعة الشخصية "الذات" التي سيتم التعامل معها في المجتمع السعودي (الأكثر ميلاً للجمعية) بناء على الدراسات "القليلة" في هذا المجال مضافاً إليها بعض من الخبرات المهنية/العيادية الناتجة عن التعامل مع أفراد لديهم أعراض القلق اجتماعي:


  1. الثقافة الجمعية تمتاز بكونها ثقافة قاسية/نقدية. فالذي يحدد سلوك الفرد هنا هو تلك المعايير الصارمة وليس تطلعاته الشخصية، أو رغباته أو اتجاهاته الذاتية،. ولهذا إمكانية تعرض الفرد فيها للنقد المباشر أو غير المباشر من الأمور الواردة جدا.

  2. هذا أيضاً مما قد يزيد حساسية الفرد للنقد السلبي، ومما يجعله يتحاشى أن يقول، أو يتصرف بطريقة مغايره عما هو مطلوب، إذ هو هنا يتبع " المعيار الاجتماعي" بدقة والذي يعتبر حماية أو ملجأ له من نقد الأخر.

  3. بسبب ذلك يسعى الفرد إلى تنظيم ذاته بناء على ما يرغبه الآخرون وما يكون مقبول لديهم (أو وفقاً لما هو موجود في الكتاب الاجتماعي الافتراضي والذي يحفظه عن ظهر غيب). فالرضى عن الذات هنا مرهون برضى المجتمع ومباركته ودعمه لسلوك الفرد.

  4. يعبر عن مشاعره وأفكاره حسب معطيات الموقف الذي يوجد فيه مما يجعله يبدو متناقضاً أمام ذاته، ولكن في ذات الوقت هذا التناقض يحميه من التعرض للمواقف التي تسبب له النقد السلبي. هذا علاوه على قدرته على التعايش مع هذا التناقض، وإعطائه تفسيرات مطمئنة للذات وتتناسب مع المطلب الاجتماعي.

  5. تعبيره عن ذاته غير واضح. وقد يعود ذلك لرغبة المجتمع في ألا يكون مختلفاً عن غيره، متواضعاً بشكل يتقبله فيه الآخرون (التواضع هنا قد يكون حاجة اجتماعية أكثر من كونه قيمة فردية).

  6. هذه المرغوبية الاجتماعية بأن يكون الفرد متواضعاً قد تفسر لنا سبب عدم محاولة الفرد إبراز الجوانب الإيجابية في شخصيته أو الاعتزاز بوجودها، لأنه بذلك قد يفقد صفة "التواضع" الصفة ذات القيمة العالية في المجتمعات الجمعية.

  7. وبالتالي، قد لا يستطيع الفرد توضيح وربما إدراك الجوانب الإيجابية في شخصيته (ليس لأنها غير موجودة)، ولكن لأنها ليست بارزة أسوةً بالصفات السلبية، وليست "مدعومة" اجتماعياً بحيث تظهر تلقائياً؛ بل على العكس إظهار الفرد لما هو إيجابي قد يعرضه للنقد السلبي.

  8. طبيعة المجتمع الناقد تجعل الفرد يتبنى النقد السلبي مع ذاته كنوع من أنواع ضبط سلوكيات الذات وتحسينها. فكلما زاد النقد استطاع الفرد (من وجهة نظره) أن يعرف عيوبه ويتجاوزها؛ وكيف يجعلها مقبولة وخاضعة لتوقعات الآخرين. وهذا مبحث ثري لمن يريد الاستزادة من فهم الذات ثقافياً؛ والتعمق في فهم العلاقة بين تقدير الذات السلبي وتقدير الذات الايجابي في المجتمعات الأكثر ميلاً للجمعية.

  9. هذه الاجترار لما هو سلبي يساعده أيضاً على حماية نفسه من أي مواقف غامضة طارئة قد تظهر له في الموقف الاجتماعي. فمراجعة المواقف السابقة قد يكون هدفها محاولة تحسين المواقف اللاحقة وعدم التفاعل فيها بالشكل الذي قد يعرضه للأحراج. وهذا يجعله أكثر تركيزا على ذاته. هذا التركيز على الذات لا يخلو من التركيز على الآخر أيضاً في نفس الوقت وذلك لضمان التوافق بين ما أفعله "أنا" وما يريده "الآخر"؛ مما يجعل التعامل مع أعراض القلق الاجتماعي في الثقافات الجمعية قائم على العلاقة بين الفرد وبيئته وليس الفرد فقط؛ لأن الفرد بطبيعة الحال لا يريد أن يخسر هذا التناغم المجتمعي والذي يسمح له بالإحساس بذاته على نحو أفضل.

  10. هذه المعايير الاجتماعية الدقيقة والقاسية هي في الأصل معايير غير مكتوبة أو لها مرجعية مدونة، ولكنها تعمل بطريقة تلقائية في ذهن العميل لأن هذا ما سربته الثقافة بشكل خفي إلى الفرد بهدف "ضبط طريقة تنظيمه لذاته". إذن هي معلومات مخزنة يتم استدعائها وقت وجود حاجة إلى "الحماية الذاتية من النقد المجتمعي".


أخيراً، الوعي بأهمية الخلفية الثقافية للفرد أضحى ضرورة لدقة فهم وتفسير السلوك الانساني، وللتفرقة أيضاً بين ماهو ثقافي وبين ماهو عرض مرضي إن جاز التعبير؛ علاوة على كونه طريقة حكيمة لتفادي خامة التشخيصات الواسعة وتوزيعاتها العادلة على الأفراد!

والخلاصة البسيطة قولاً والعميقة تصوراً هي أنه لفهم الإنسان؛ فيجب تناوله من خلال سياق تفرده وسياقه الثقافي. عدا ذلك، فهي حطابة ليل!


المراجع:

الرويتع، عبدالله صالح (2014). في الشخصية السعودية: العوامل و المحددات "مابين الحنظل و الشهد" (الطبعة الأولى). الرياض: مطابع دار جامعة الملك سعود للنشر.

الخضير, غادة عبدالله (2019). العلاج النفسي لاضطراب القلق الاجتماعي. سعيد سعد الزهراني (محرر), العلاج النفسي للكبار: دليل عملي (ص ص.  74-129). الرياض : المركز الوطني لتعزيز الصحة النفسية.

Alden, L. E., & Regambal, M. J. (2010). Social Anxiety, Social Anxiety Disorder, and the Self. Social Anxiety: Clinical, Developmental, and Social Perspectives, 423-445.

Al-Khodair, G. (2015). Cognitive Biases in Social Anxiety: A Cross - Cultural Investigation. (Doctoral Thesis), University of Southampton.

Clark, D. M., & Wells, A. (1995). A cognitive model of social phobia. Social phobia: Diagnosis, assessment, and treatment, 41(68), 00022-3.

Clark, D. M. (2005). A cognitive perspective on social phobia. The essential handbook of social anxiety for clinicians. 193-218.

Markus, H. (1977). Self-schemata and processing information about the self. Journal of personality and social psychology, 35(2), 63-78.

Markus, H. R., & Kitayama, S. (1991). Culture and the self: Implications for cognition, emotion, and motivation. Psychological review, 98(2), 224.

Moscovitch, D. A. (2009). What is the core fear in social phobia? A new model to facilitate individualized case conceptualization and treatment. Cogn Behav Pract, 16(2), 123-134.

Stopa, L. (2009). Why is the self-important in understanding and treating social phobia? Cogn Behav Ther, 38 Suppl 1, 48-54. doi: 10.1080/16506070902980737.

Triandis, H. C. (2004). The many dimensions of culture. The Academy of Management Executive, 18(1), 88-93.

Zhao, G. (2005). Playing as adaptation? Layered selfhood and self-regard in cultural contexts. Culture & Psychology, 11(1), 5-27.