الضغط النفسي مصادره أعراضه وعلاجه

د. سعيد بن سعد الزهراني

استشاري علم النفس العيادي - العصبي

يُعد الضغط أو الإجهاد Stress جزءاً أساسي من حياتنا، ويمكن أن يكون له آثار مفيدة وقد تكون آثاره ضارة. ويتم تحديد الاستجابة للضغط بشكل أساسي من خلال إدراكنا للحدث أو الموقف أو المشكلة. ويظل إيجاد توازن ومقاربات في حياتنا والتعامل مع ضغوطنا من المهام التي تتطلب جهد ومثابرة وربما في بعض الأحيان استشارة ذوي الاختصاص كما سوف نُعرّف في هذه التدوينة الموجزة بمصادر الضغط النفسي وأعراضه وتقييمه وأساليب علاجه.   


يُعد الضغط أو الإجهاد جزءاً أساسي من حياتنا

المصادر


تتعدد مصادر الضغط النفسي فقد يكون أي موقف من مواقف حياة الإنسان مصدراً للضغط  حيث تلعب خبراته وتقييماته وطريقة إدراكه لذلك الموقف في تحديد ما إذا كان الموقف مصدر خطر أو تهديد أم لا. وكثيراً ما يربط بين القابلية للضغط النفسي ونمط الشخصية عالي الطموح متعدد المهام الذي يتغذى بشكل مستمر على النجاح.

ويلعب الإحباط دوراً في حدوث الضغط النفسي، وللإحباط أوجه عدة منها ما هو اقتصادي يتمثل في الفقر والبطالة وضعف الدخل المادي مما يجعل الإنسان غير قادرٍ على تلبية حاجاته الأساسية أو حاجات ذويه، كما قد يتمثل في بعض العوامل الأسرية والاجتماعية مثل الخلافات الدائمة والتنافسية العالية وانعدام التعاون، هذا بالإضافة إلى عدم تكافؤ الفرص والأمراض أو الإعاقات. ويلعب الصرع من جانبه دوراً في حدوث الضغط النفسي، فعندما يجد الإنسان نفسه أمام أمرين متناقضين فإنه يعيش حالة من التردد قد تسحقه وتجعله تحت ضغط نفسي يتفاقم كلما طال أمد تردده وعدم اتخاذ قراره.  

الأعراض   
              

تظهر أعراض الضغط النفسي في هيئة عضوية فسيولوجية أو ذهنية عقلية أو انفعالية أو سلوكية.


الأعراض العضوية: تتمثل في مشاكل في الجهاز التنفسي كضيق التنفس والشعور بآلام في الصدر، كما تتمثل في مشاكل في انتظام نبضات القلب وارتفاع الضغط، ويشعر الإنسان بصعوبات تتعلق بالجهاز الهضمي مثل الحموضة والإسهال والإمساك. هذا بالإضافة إلى أعراض عضوية أخرى مثل التوتر العضلي وآلام الظهر وكثرة التعرق والتهابات الجلد والتبول المتكرر وعدم انتظام الدورة الشهرية.


الأعراض الذهنية: تتمثل في صعوبات في الانتباه والتركيز ومشاكل الذاكرة مثل كثرة النسيان ومشاكل أخرى تتعلق بالتفكير واتخاذ القرار.


الأعراض الانفعالية: تتمثل أعراض الضغط النفسي في التقلبات المزاجية وسرعة الانفعال والكآبة والحزن وسرعة البكاء والقلق والهياج.


الأعراض السلوكية: تتمثل في عدم كفاءة تأدية المهام الحياتية المعتادة، والسلوك العدواني، والتجنب الاجتماعي، ومشاكل النوم مثل الأرق أو كثرة النوم المصحوب بكوابيس مزعجة، وفقدان الشهية، وتدني الرغبة الجنسية.

التقييم


قبل علاج الضغط أو التعامل معه بأية طريقة من الطرق فإنه من المهم تقييمه والتعرف على درجته، وتستخدم لهذا الغرض بعض مقاييس التقييم الذاتي التي تساعدنا على تحديد درجة ونوع الضغط الذي نعاني منه، كما يمكن استخدامها للتعرف على مدى فعالية مهاراتنا في التعامل معه.


قائمة أعراض الضغط

Symptoms of Stress

وهي تتكون من العديد من أعراض الضغط مثل الصداع، التهيج، الأرق، والإمساك. ويتوجب على الفرد تحديد تكرار حدوث العرض أو الأعراض بحسب مقياس سباعي يتدرج من "كل أوقات اليوم في كل الأيام" إلى "أبداً لا يوجد".


مقياس الضغط الـمُدرك

Perceived Stress Scale

وهو أداة تقليدية شائعة الاستخدام للمساعدة على فهم كيفية تأثير المواقف المختلفة على مشاعرنا وضغوطنا المُدركة. وتتقصى بنود هذا المقياس مشاعرنا وأفكارنا خلال الشهر الماضي. وللإجابة عليه يتوجب تحديد الخيار المناسب لشعورنا أو أفكارنا الواردة في بنوده وذلك من بين خمسة خيارات تمتد من "أبداً" إلى "غالباً".


قائمة مصادر التغلب على الضغط

Stress Coping Resources Inventory

تتكون هذه القائمة من العديد من الأسئلة التي تتعلق بالعوامل الأكثر ارتباطاً بالقدرة على التعامل بنجاح مع الضغوط، ويتم الإجابة على كل سؤال وفق خيار من بين أربعة خيارات. ومن أمثلة أسئلة القائمة: "ما مدى قدرتك على تغيير تفكيرك كي تهدأ عندما تكون تحت ضغط شديد"، أما خيارات الإجابة على هذا السؤال فهي: "(قادر تماماً)، (قادر)، (غير قادر)، (عاجز تماماً).

العلاج    

يستطيع الكثير من الناس التغلب على الضغوط متى ما كانت بسيطة أو حتى متوسطة وذلك عندما يتمكنون من تحديد مصادرها ومعرفة أعراضها. وغالباً ما يكون ذلك من خلال تجزئة المهام أو جدولتها بحيث يتم تنفيذ الأهم فالمهم، وربما التخلي عن بعضها. كما يمكنهم ذلك من خلال إعادة تشكيل أنماط حياتهم وممارسة العادات والأنشطة الصحية مثل المشي والسباحة والاسترخاء سواءً الذهني أو العضلي، إضافة إلى بناء علاقات اجتماعية ناضجة وسوية. وبشكل عام؛ -وفي الحالات الشديدة- يمكن اللجوء إلى العديد من الأساليب العلاجية التي من بينها ما يعتمد على العقاقير الطبية مثل مضادات القلق، كما تستخدم الفيتامينات مثل فيتامينات "بي" وفيتامين "سي".  ويظل الاعتماد على العلاجات والتدخلات النفسية مثل العلاج الذهني والعلاج السلوكي وتقنياتها من الخيارات العلاجية المفضلة لهذا الاضطراب.


العلاج السلوكي: يستخدم هذا العلاج العديد من الأساليب والتقنيات من أهمها التعريض حيث يتم وضع الفرد في موقف ضاغط مسبب للتوتر والقلق ولفترات طويلة ومتكررة. وكذلك التغذية الراجعة التي تتمثل في إعطائه معلومات تالية للتعريض توضح صحة استجاباته من عدم صحتها وهو ما يساعده لاحقاً على الاستمرار أو التوقف عن الاستجابة الخاطئة أثناء تعرضه للمواقف الضاغطة. ولتمارين الاسترخاء والتنفس دور لا يقل أهمية عن سابقيه، لا سيما أن ضيق التنفس وتوتر العضلات من الأعراض الرئيسة للضغط النفسي.


العلاج الذهني السلوكي: يستخدم هذا العلاج بفعالية مع حالات الضغط النفسي. وهو يفترض أن الأحداث الحياتية الضاغطة لا تسبب التوتر والقلق بقدر ما تكون بسبب أفكارنا ومعتقداتنا التي كوّناها عن تلك الأحداث من حيث أنها مخيفة أو مهددة ومضرة، لذا فإن تغيير استجاباتنا وسلوكياتنا تجاهها يعتمد بالدرجة الأولى على تصحيح أفكارنا. وغالباً ما يؤدي التخلص من الأفكار السلبية إلى تحسننا. كما أن لتأكيد الذات دورٌ في ذلك، وهو يرتكز على أنه بإمكاننا مواجهة المواقف الضاغطة عندما نتخلص من الأحاديث السلبية عن ذواتنا التي تجعلنا نشعر بالخوف وعدم الكفاءة عند مواجهة تلك المواقف، كما يشدد على وجوب استبدال تلك الأحاديث بأخرى إيجابية تساعدنا على التعامل مع المواقف بشكل ملائم. ولأسلوب حل المشكلة أهمية في علاج الضغط النفسي حيث يتوجب على الإنسان إدراك وفهم عناصر الموقف الضاغط من أجل وضع خطة فاعلة للحل. ويمر ذلك عبر عدد من الخطوات المتسلسلة التي تبدأ بالتعرف على الموقف الضاغط، وجمع معلومات عنه، ثم وضع بدائل وحلول للتعامل معه، وتقييم الحلول لينتهي الأمر بوضع الحل الملائم. كما يمكن أن يكون للتخيل فعالية في التغلب على الضغط حيث يتم تدريب الفرد أثناء الاسترخاء على تخيل نفسه وهو في موقف ضاغط ومن ثم التدرب على التعامل معه.

وتركز العلاجات الذهنية السلوكية الحديثة كثيراً على المساعدة في التغلب على الضغط ومن أهمها العلاج باليقظة الذهنية الذي يشدد على أن نعيش اللحظة دون مشتتات بحيث نلاحظ مشاعرنا وأفكارنا وأحاسيسنا، هذا العيش اللحظي والملاحظة الواعية يُسهمان بدرجة أو أخرى في خفض توترنا ورؤية الأشياء والأحداث بوضوح.

يستطيع الكثير من الناس التغلب على الضغوط متى ما كانت بسيطة أو حتى متوسطة وذلك عندما يتمكنون من تحديد مصادرها ومعرفة أعراضها.